"لن يعفيني إلا عجزي أو موتي": قصة آمنة
فايز الضبيبي

تتشابه الأيام في الريف، الطقوس المعتادة، والأعمال المتكررة التي يتقاسم السكان لحظاتها كل يوم. 

"امرأة ورجل" هكذا توصف المرأة الريفية في اليمن؛ نظير أدوارها داخل المنزل، كشريك في تدبير الاحتياجات الأسرية، وخارجه. المرأة في الريف تقضي معظم يومها بأعمال الفلاحة، التي هي أعمال طويلة ومرهقة، ومستمرة طوال أيام السنة. لا تُعفى المرأة الريفية من هذه الأعمال إلا عند عجزها الكلي عن ممارستها، أو الموت.

رغم ذلك، فيعد الرجل هو المسؤول الأول في الأسرة والمتحكم في شؤونها وصاحب الفضل، وينسب إليه كل نجاح. حتى مساهمة المرأة في الدخل تنسب إليه، فالسلطة الذكورية هي المتحكمة بالمنظومة الاجتماعية الريفية في ريمة.


يوم في حياة آمنة

آمنة الريمي، امرأة في الخمسين من عمرها وأم لأربع بنات وولد متزوجين ويعيشون بعيدًا عنها. تبدأ يومها مع الشروق في الريف اليمني بزيارة زريبة المواشي لتنظيفها وتقديم الماء والأعلاف، حلب الأبقار واستخلاص الدهن لصنع السمن البلدي.

تحضر وجبة الفطور على وسائل بدائية ثم تنطلق إلى مزرعتها مصطحبة أغنامها. تمضي آمنة يومها في العمل الزراعي الذي يتغير باختلاف المواسم: تهيئة الحقول للأمطار خلال الربيع، الحرث والزراعة في الصيف، جني الثمار في الخريف، وحصاد الزرع في الشتاء.

لن يعفيني إلا عجزي أو موتي.

تتحمل الزوجة غالبية الأعمال الزراعية، بينما يساعد الزوج في بعضها مثل الحرث وبناء جدران الحقول. يشارك الزوجان في الأعمال التي تتطلب جهودًا مشتركة مثل لف الحشائش ونقلها إلى المنزل.

أثناء العمل، تنشد النساء أهازيج لتحفيزهن وتخفيف عبء العمل. بعد انتهاء العمل الزراعي، تعود آمنة لتحضير الغداء والاعتناء بالأبقار، ومشاركة زوجها في معمل الدباغة. تقول آمنة إنها تضطر إلى بيع جزء من الدهن وتربية البقر والماعز لتغطية احتياجاتهم المعيشية.

 

بعد يوم طويل ومتعب، تقضي أمنة جزءا كبيرا من ليلها في إعداد العشاء وتنظيف المنزل والاعتناء بزوجها. لم تتوقف آمنة عن العمل منذ أن بلغت السابعة من عمرها وهو السن الذي تتكلف فيه الفتاة الريفية بالعمل. "كلفتني والدتي بمساعدتها تدريجيًا، ابتداءً بأعمال المنزل، ثم رعي الأغنام، وجلب الماء، وانتهاء بأعمال الزارعة"، تقول آمنة، وتضيف: "تزوجت بعمر 16 سنة، كنت قد خبرت كل المهام، وسأظل أمارسها طوال حياتي." 

عمل أجره الخطر

تقطع آمنة يومياً مسافات طويلة لزيارة مزارعها المتناثرة وللوصول إلى مصادر المياه. هذا العمل الشاق يعبر عن تفاني النساء في ريمة لتأمين احتياجات أسرهنّ. تقوم المرأة الريفية بالعديد من المهام دون أجر، مثل الفلاحة وتربية المواشي وجلب الماء والحطب، بالإضافة إلى دورها كأم وربة منزل.

تواجه المرأة الريفية مخاطر
كبيرة في حياتها اليومية.

تواجه المرأة الريفية مخاطر كبيرة في حياتها اليومية. تتعرض البعض لحوادث قاتلة، مثل الغرق في الآبار والبرك المائية غير الآمنة أو السقوط من الشواهق أثناء جمع الحطب والعلف.

تتذكر آمنة آخر الضحايا في منطقتها، وفاة امرأة وطفلة من أسرة واحدة غرقًا في إحدى البِرك، مؤكدة أنها ليست المرة الأولى، حيث سقط سبع نساء وأطفال، في مرات متعددة، ولم ينقذ سوى اثنين منهم، بسبب عمق البركة، وبعدها عن القرية، وعدم إجادة غالبية النساء في القرية للسباحة.

عند ربط الواقع بالوقائع، فإن تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات غير مدرك في الريف اليمني. 

يقتصر عمل النساء في ريمة على المنزل والمزرعة فقط، ويعتبر تجاوز ذلك عيبًا. قليلات هنَّ اللواتي يتمكنّ من تخطي هذه الحواجز وتأدية أدوار أخرى في المجتمع. إذا ما حدث ذلك، فغالبًا يكون ناتجًا عن ضرورة وضمن مجالات محددة؛ فتضطر بعض النساء للعمل لدى أسر أخرى أو مساعدتهم في نقل الماء وحصاد الأعلاف وحرث الأرض.


بعض النساء يتنقلن بين القرى لبيع المنتجات المحلية مثل الخضروات والفواكه وأدوات الفَخَّار والمعزوفات اليدوية. يحملن هذه المنتجات على رؤوسهن أو ظهور الحمير، ويتنقلن بين المنازل لبيعها. قلة من النساء يفتحن متاجر صغيرة داخل منازلهن لبيع بضائع محددة. 

من المهم تعزيز توعية
المرأة الريفية بحقوقها. 

تعتمد نساء الريف على أقاربهن لشراء هذه البضائع من السوق، لتحرّج القبيلة من تسوق النساء، ومشاركة الرجال في عملية البيع أو الشراء بالأسواق. تعيب القبيلة كذلك وظيفة المرأة أو عملها في القطاع العام والخاص، ومن النادر أن تجد امرأة تعمل في القطاع الخاص داخل محافظة ريمة، أو امرأة تدير مشروعها.

وفقًا لإعلان جنيف بشأن المرأة الريفية، فمن الواجب على الدول والحكومات إيلاء أهمية أكبر لتحسين حالة المرأة الريفية، من خلال تعزيز الآليات الوطنية، وإقامة صلات بين الأجهزة الحكومية في مختلف القطاعات والمنظمات غير الحكومية المعنية بالتنمية الريفية. بالإضافة إلى ذلك فمن المهم تعزيز توعية المرأة الريفية بحقوقها ودورها في التنمية، وزيادة مشاركتها في عملية صنع القرار.


الصور: راعيات للأغنام ومزارعات أثناء الحصاد في نواحي تعز. © البراء منصور | مجلة العربية السعيدة


أحدث المشاركات

شارك هذا البوست
الإنصاف في العمل: أين وصل اليمن؟
سمر عبد الله